ما بين ماضٍ مُفعم بأمجادٍ غائرة في ذاكرة الوطن؛ ماضٍ تُفصح شواهده عن عبقرية حضارية لا زال العالم يقف أمام أصالتها مشدوهًا، وتعجز تنظيرات اليوم عن فك شفرتها والبوح بأسرارها...، وبين حاضرٍ تعكس وقائعه حالة من التردي الصارخ في شتى المجالات، وتُنبئ معطياته بمستقبل غائم تُمهد إليه آليات الجهل والفقر والمرض بحطامٍ من قيم الذات المغتربة...؛ ما بين هذا وذاك، يقف العقلُ العربي اليوم في مفترق طرق غير محددة المعالم، تتملكه أفكارٌ وممارساتٌ مغلوطة توشك أن تجرّده من مقومات الحياة، وتدفع به دفعًا نحو طريقٍ مظلم، تتعاظم فيه الأخطاء لتتحول إلى خطايا قد لا تجد سبيلها إلى المغفرة بمنطق التاريخ. والغريب، بل والمخزي، هو حالة اللاوعي التي بات يتسم بها العقل العربي في كافة برامجه، فمثله كمثل من شرب حتى الثمالة، فراح يتخبط على الأبواب ملتمسًا فتات الموائد!. على أن أغلب العرب في الحقيقة لم يتعاطوا ذلك المسكر الحضاري طوعًا واختيارًا، أو ترفًا عن فضل زادٍ ومال؛ إنما السكارى في وطني صنفان: صنف أسكرته ملذات الذات، فهو يلهث طلبًا للمزيد، ويسعى جاهدًا إلى تجميد الواقع المُلبي لضراوة شهوته، ولو على حساب وطنٍ يترنح، وصنف آخر أسكرته الحاجة والمذلة، فهو يلهث طلبًا للحد الأدنى من قوت يومه، ولا يملك إزاء لا معقولية الواقع سوى أن يُحيي بالبكاء ذكرى اغتيال كرامته، ولو على حساب عقل يحتضر!. ليس غريبًا إذن، والحال هكذا، أن يُخفق العقل العربي – الذي تشرّب الحضارة لقرونٍ طويلةٍ خلت – في أن يُخطط لحاضره أو لمستقبله القريب، حتى بالنسبة لأخطر قضاياه وأكثرها ارتباطًا بأمنه القومي؛ كالتعليم والصحة والاقتصاد والتوافق الاجتماعي. وليس غريبًا كذلك أن يعجز العقل العربي – بعد أن انهارت البني التحتية لمنظومته الثقافية الأصيلة – عن الفهم الدقيق لمعطيات العصر في ضوء محليته الزمانية – المكانية، وأن يستبدل عشوائية القرار بمنطقيته، وفوضوية الفكر بنسقيته، بل وأن يعمد إلى استيراد البرامج التنموية الجاهزة من أممٍ ذات طبيعة ثقافية مغايرة، لتكون النتيجة في النهاية مسخًا حضاريًا مشوهًا، يزيد من كم مشكلاته وتعقيداتها. ليس غريبًا أيضًا أن يفقد العقل العربي قدرته على الغضب حتى في أحلك المواقف، فتراه يتلقى الطعنات في خشوع واستكانة، بعد أن كان غضبه في الماضي زلزالاً يحطم أعتى الحصون.إنما الغريب في الحقيقة هو أن تُسلب من العقل العربي إرادة التغيير، حتى لكأن آلامه وصرخاته قد تثاقلت عليه فألقت به في غيبوبة طويلة لا يعلم أحد مداها. على هذه الخلفية – التي لا تخفى على أحد – لواقع المجتمع العربي اليوم، يأتي هذا الموقع كمحاولة (بين محاولات أخرى جادة) لرأب الصدع البادي بين ماضي العقل العربي وحاضره من جهة، وبين واقع العقل العربي والعقل الغربي من جهة أخرى. فلا يهدف الموقع إلى التعريف بالسيرة الذاتية لصاحبه، أو إلى عرض كتبه ومقالاته في مجاليّ المنطق وفلسفة العلم، إنما يهدف بالأحرى إلى تعميق قيمة الحوار بين الرأي والرأي الآخر من خلال قراءة متأنية للأفكار، تكشف عن أطياف الحياد المكتنفة لتناقضاتها، وإمكانية مصافحة الصفر للواحد، أملاً في التوصل إلى صيغة لمشروع ثقافي موحد، يرمي إلى إيقاظ العقل العربي المعاصر من سباته الدوجماطيقي الذي أقعده عن اللحاق بركب التقدم المعرفي, وأحاطه بأسيجة الموجب, والقاطع, والثابت ..., في عالم تتسارع فيه وتائر التغير, وتنهار فيه الحواجز الفاصلة بين كثرة من الثنائيات المستقرة في أذهاننا. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال مساهماتكم واقتراحاتكم لأبعاد هذا المشروع وآلية عمله.